languageFrançais

تعليق 'قانون جونز'.. هل يضحّي ترامب بهيبة أسطوله من أجل النفط ؟

في خطوة تعكس حجم الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تلاحق الإدارة الأمريكية، وحالة الارتباك التي تسيطر على أسواق الطاقة العالمية، برز قرار الرئيس دونالد ترامب بتعليق العمل بـ 'قانون جونز' التاريخي (Jones Act) كواحد من أكثر الإجراءات إثارة للجدل، خاصة أن هذا التشريع يُعدُّ الحجر الزاوية في السياسات الحمائية البحرية للولايات المتحدة، وظل لقرن من الزمان ثابتا في ترسانة القوانين الأمريكية.

هذا القرار لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل مثّل صداماً مباشراً بين عقيدة "أمريكا أولاً" التي تنادي بحماية الصناعة الوطنية، وبين واقع مرير تفرضه أسعار النفط "المشتعلة" التي باتت تهدد الاستقرار الداخلي وتؤرق كاهل المستهلك الأمريكي، خاصة مع بلوغ الأسعار مستويات قياسية نتيجة التوترات في مضيق هرمز الذي يعبره نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط.

يعود جذور "قانون جونز" إلى سنة 1920، حين وُضع ليكون درعاً فولاذياً يحمي السيادة البحرية للولايات المتحدة. وبموجب هذا التشريع، يُمنع نقل أي بضائع بين الموانئ الأمريكية إلا عبر سفن بُنيت في ترسانات وطنية، وتعود ملكيتها لشركات أمريكية، ويدير دفتها طاقم من المواطنين الأمريكيين. 

وطوال قرن من الزمان، ظل هذا القانون بمثابة الحارس الذي يضمن وجود أسطول تجاري قوي، إلا أن الأرقام الحالية تكشف عن تراجع حاد في هذا الدرع، حيث يقتصر الأسطول المؤهل للقانون اليوم على أقل من 100 سفينة كبيرة فقط مخصصة للتجارة العابرة للمحيطات، وهو عدد ضئيل جداً مقارنة بآلاف السفن في الأسطول التجاري العالمي.

 

ضرورات الواقع فوق نصوص القانون.. الأزمة تفرض منطقها على الملاحة الأمريكية

ومع تصاعد حدة التوترات في الشرق الأوسط جراء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية وما أحدثته من اضطراب واسع في خطوط الإمداد، انعكست الأزمة سريعاً على أسواق الطاقة العالمية، لتجد الولايات المتحدة نفسها في مواجهة ارتفاع حاد في أسعار الوقود محلياً. 

وفي ظل هذا الارتباك، بدا الاقتصاد الأمريكي أسيرا لقلة عدد الناقلات الوطنية وعجزها عن تلبية الطلب، حيث تشير التقديرات إلى أن تكلفة شحن النفط بين الموانئ الأمريكية عبر سفن مطابقة للقانون تزيد بمقدار 3 إلى 4 مرات عن تكلفة الشحن الدولي. 

هذه المفارقة التي دفعت الولايات الساحلية سابقاً لتفضيل الاستيراد من الخارج على الاعتماد على الإنتاج الوطني، وضعت إدارة ترامب أمام خيار وحيد لتخفيف العبء عن كاهل المواطن وهو تعليق ''قانون جونز'' وفتح الباب أمام السفن الأجنبية لضخ المرونة في شريان الطاقة المتصلب.

من هنا، جاء قرار التعليق الرئاسي لمدة 30 يوماً لفتح الباب أمام السفن الأجنبية، في محاولة لضخ المرونة في شريان الطاقة وتخفيف الضغط عن الأسواق. 

ويرى أنصار هذا التوجه أن المصلحة الاقتصادية العليا تقتضي تجاوز تشريع أصبح يعطل تدفق 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال و25% من تجارة النفط العالمية التي تمر عبر المضائق الحيوية، مؤكدين أن مرونة الاقتصاد في مواجهة الأزمات تتقدم على الحماية القانونية للقطاع.

في المقابل، تقود النقابات البحرية معركة شرسة ضد هذا القرار، محذرة من تداعيات اقتصادية مدمرة على المدى الطويل، معتبرة أن السماح للسفن الأجنبية بالدخول يعني تهديد مورد عيش أكثر من 650 ألف عامل يعتمدون بشكل مباشر وغير مباشر على الصناعة البحرية الأمريكية. 

ويحذر خبراء ماليون من أن هذا التعليق يبعث برسالة إرباك للمستثمرين، إذ سيغدو من شبه المستحيل إقناع الشركات بضخ استثمارات عملاقة لبناء سفن في الترسانات الوطنية بتكلفة تفوق نظيرتها العالمية بنسبة 400%، ما دامت مظلة الحماية القانونية مهددة بالرفع عند كل اضطراب في أسواق الطاقة.

 

حين تضطرب البحار.. تتغير القواعد

ويبقى تعليق "قانون جونز" بمثابة مسكّن موضعي قد ينجح في امتصاص غضب الشارع عبر خفض مؤقت لتكاليف الطاقة، لكنه سيترك الصناعة البحرية الأمريكية في مواجهة عاصفة من الشكوك حول جدواها الاستثمارية ومستقبل استقرارها التشريعي. 

يخشى الكثيرون أن يكون الثمن لهذا الإجراء هو الغرق النهائي لأسطول لم يتبقَّ منه سوى أطلال تشريعية من القرن الماضي، في عالم لم يعد يعترف إلا بالقوة والمرونة الاقتصادية. 

لقد أثبتت هذه الأزمة أن النصوص التاريخية تذعن دائماً لمنطق الضرورة، فلا قواعد تبقى ثابتة أمام أمواج الاقتصاد المتقلبة، وعندما تشتد عواصف الأزمات، تضطر حتى القوى الكبرى لإعادة رسم خرائطها القانونية بعيداً عن تقاليد الحمائية.

(صورة المقال مولّدة بالذكاء الاصطناعي)